قصة إبليس من البداية
نبدأ بقصة أول من عصى أمر الله، وأول من سمح للكِبر أن يتسلل إلى قلبه، قصة إبليس في القرآن، التي تكشف لنا أن السقوط لا يبدأ بخطأ كبير، بل بفكرة متعالية في الداخل.في بداية الخلق، حين كان الكون يسير على نسق الطاعة المطلقة، لم يكن أحد يتوقع أن أول معصية ستولد من عبادة طويلة. هناك، في عالمٍ لا نراه، كان إبليس يعيش بين الملأ الأعلى، يعبد الله ويجتهد في الطاعة. لم يكن مَلَكًا، بل من الجن، لكن مكانته ارتفعت بكثرة عبادته حتى صار في صفوف المطيعين.
ثم جاءت اللحظة الفاصلة.
أُمر الجميع بالسجود لآدم عليه السلام تكريمًا له بأمر الله. كان الأمر واضحًا، لا لبس فيه. سجدت الملائكة امتثالًا وطاعة .. إلا واحدًا. توقف إبليس. لم يكن التوقف عجزًا، بل اعتراضًا داخليًا. دار في قلبه سؤال لم ينطق به أحد سواه: كيف أسجد لمن خُلق من طين وأنا خُلقت من نار؟
في تلك اللحظة، لم يكن الخلاف حول مادة الخلق، بل حول معنى العبودية. إبليس لم ينكر وجود الله، ولم يجهل أمره، لكنه قدم رأيه على أمر خالقه. قالها صراحة: أنا خيرٌ منه. جملة قصيرة… لكنها حملت في طياتها أول بذرة كِبر في تاريخ الخليقة.
لم تكن المشكلة في القياس بين النار والطين، بل في جرأة الاعتراض. العبادة التي رفعته لم تحمه حين تسلّل الغرور إلى قلبه. وهكذا تحوّل من عابدٍ إلى عاصٍ في لحظة واحدة. صدر الحكم الإلهي، فكان الطرد واللعن إلى يوم الدين.
لكن القصة لم تنتهِ عند هذا الحد.
طلب إبليس مهلة. لم يطلب المغفرة، ولم يطلب العودة، بل طلب الإنظار. كان هدفه واضحًا: أن يثبت أن آدم وذريته لا يستحقون هذا التكريم. أقسم بعزة الله أن يُغويهم أجمعين، إلا من أخلص منهم. وهنا بدأت المعركة التي لا تزال مستمرة حتى اليوم.
لم يحمل إبليس سلاحًا، ولم يملك قوة إجبار. كل ما يملكه هو الوسوسة. يزيّن الخطأ حتى يبدو صوابًا، ويجعل المعصية تبدو صغيرة، ويؤجل التوبة بكلمة: لاحقًا. إنه لا يدفعك دفعًا، لكنه يهمس، يلمّع، ويغادر، تاركًا لك القرار.
وفي مشهدٍ آخر من القرآن، سنراه يوم القيامة يتبرأ من أتباعه. سيقول لهم: لا تلوموني ولوموا أنفسكم. كأنه يعترف بحقيقة دوره؛ لم يكن سوى مُزيّن للطريق، أما السير فيه فكان اختيارهم.
قصة إبليس ليست قصة كائنٍ بعيد عن حياتنا، بل مرآة دقيقة لما يحدث في داخلنا. كل مرة يرفض فيها الإنسان الحق لأن نفسه ترى أنها أفضل، كل مرة يُقدّم رأيه على أمر الله، كل مرة يُبرر خطأه بدل أن يعترف به… يتكرر المشهد الأول، مشهد “أنا خير منه”.
وفي رمضان، حين تضعف الشياطين وتُفتح أبواب الرحمة، تبقى المعركة الحقيقية مع النفس. فإبليس قد يُصفّد، لكن أثر منطقه لا يزال حاضرًا: الكِبر، التبرير، وتأجيل التوبة.
الدرس الأعمق من قصة إبليس ليس الخوف من الشيطان بقدر ما هو الحذر من القلب إذا امتلأ غرورًا. فالمعصية الأولى لم تكن شهوة، بل استعلاء. وهنا تبدأ رحلتنا في هذه السلسلة الرمضانية. إذا كان إبليس أول من سقط بسبب الكِبر، فالشخصية القادمة ستكشف لنا كيف يقود الحسد والاندفاع إلى أول جريمة في تاريخ البشر.
تابع السلسلة، فكل قصة في القرآن ليست ماضيًا يُروى، بل رسالة تعيش معنا كل يوم.

