لماذا تظهر ألمانيا في كثير من الأزمات المتعلقة بإسرائيل بموقف انحيازي للكيان المحتل؟ ولماذا أصبحت عبارة "أمن إسرائيل جزء من Staatsräson الألمانية" تتكرر على ألسنة المستشارين ووزراء الخارجية الألمان؟ وهل يمكن فهم هذا الموقف من دون العودة إلى تاريخ ألمانيا النازية والهولوكوست؟ وفي المقابل، ماذا تعني مقاطعة أديداس التي تظهر بين الحين والآخر في حملات التضامن مع فلسطين؟ وهل مقاطعة شركة ألمانية مثل أديداس تعني بالضرورة مقاطعة ألمانيا أو الاحتجاج على سياستها تجاه إسرائيل؟
![]() |
| مقاطعة أديداس تفتح النقاش حول العلاقة بين ألمانيا وإسرائيل، والمسؤولية التاريخية الألمانية منذ الهولوكوست وصولًا إلى موقف برلين من الحرب في غزة |
لماذا ألمانيا مرتبطة بإسرائيل بهذا الشكل الاستثنائي؟
لكي نفهم الوضع الحالي للعلاقات بين ألمانيا وإسرائيل، وكيف وصلت إلى هذه الدرجة من الانحياز المطلق للكيان المحتل؟ يلزمنا العودة إلى الوراء، والرجوع إلى الحرب العالمية الثانية وما بعدها، فقد ارتكب النظام النازي واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ الحديث، إذ قُتل نحو ستة ملايين يهودي أوروبي في الهولوكوست، إلى جانب ملايين الضحايا الآخرين للاضطهاد النازي. وبعد سقوط النازية، واجهت ألمانيا سؤالًا تاريخيًا صعبًا وهو كيف تتعامل مع إرث الجرائم التي ارتُكبت باسم الدولة الألمانية؟
لم يكن الحل مجرد الاعتذار، ففي عام 1952 وقعت ألمانيا الغربية اتفاقية لوكسمبورغ، التي تحملت بموجبها مسؤولية عن جرائم المحرقة والتزمت بدفع تعويضات ضخمة لليهود في إسرائيل وخارجها جراء محارق الهولوكوست. وكان ذلك أحد أهم الأسس التي بُنيت عليها المصالحة الألمانية الإسرائيلية لاحقًا، ثم في عام 1965 أقامت ألمانيا الغربية وإسرائيل علاقات دبلوماسية رسمية. ومنذ ذلك الوقت لم تعد العلاقة مجرد علاقة بين دولتين، بل أصبحت مرتبطة في الوعي السياسي الألماني بمسألة المسؤولية التاريخية.
مع مرور الوقت، تطورت العلاقة الألمانية الإسرائيلية بصورة كبيرة. فوفقًا لوزارة الخارجية الألمانية، بلغت مدفوعات التعويضات الألمانية المرتبطة بجرائم النازية نحو 85 مليار يورو حتى ديسمبر 2024، بينما تُدفع سنويًا مبالغ من الموازنة الألمانية لرعاية ومعاشات ضحايا الاضطهاد النازي. لكن الأهم من الأموال هو التحول الفكري والسياسي، فألمانيا الحديثة بنت جزءًا كبيرًا من هويتها الديمقراطية على التعلم من جرائم الماضي، وهنا ظهر مفهوم ألماني مهم هو: Vergangenheitsbewältigung أي التعامل مع الماضي ومواجهته والتغلب على إرثه. ومن هنا يمكن فهم لماذا أصبح الدفاع عن وجود إسرائيل وأمنها قضية شديدة الحساسية في السياسة الألمانية.
ماذا تعني Staatsräson؟
بعد هجوم حماس في 7 أكتوبر 2023، استخدم المستشار الألماني السابق أولاف شولتس عبارة أصبحت من أشهر العبارات التي تصف السياسة الألمانية تجاه إسرائيل، حيث قال شولتس "إن أمن إسرائيل جزء من Staatsräson الألمانية." وربط ذلك بشكل مباشر بتاريخ ألمانيا ومسؤوليتها الناتجة عن الهولوكوست.
ولا يعني المصطلح حرفيًا أن ألمانيا تعطي إسرائيل «شيكًا على بياض»، لكنه يعني أن وجود إسرائيل وأمنها أصبحا من المبادئ الأساسية التي ترى الدولة الألمانية نفسها ملزمة بالدفاع عنها. واللافت أن هذا المبدأ لم يختفِ بتغير الحكومة. ففي 2026، ما زالت الحكومة الألمانية تؤكد رسميًا أن وجود إسرائيل وأمنها جزء من جوهر العلاقات الألمانية الإسرائيلية ومن Staatsräson الألمانية.
إذن المسألة ليست موقف مستشار واحد أو حزب واحد، إنها سياسة تمتد عبر الحكومات وعبر الأزمنة. وفي المقابل، أصبح التعبير عن التعاطف مع فلسطين شديد الحساسية في ألمانيا، وفي سياسات Staatsräson الألمانية.
مقاطعة أديداس - هل هي مقاطعة لألمانيا؟
الدعوات إلى مقاطعة أديداس تأتي من جهات وحملات مؤيدة للفلسطينيين، وبعضها يربط الشركة بعلاقتها السابقة بالرياضة الإسرائيلية أو بمواقفها التجارية. فقد تعرضت أديداس لحملات مقاطعة مرتبطة برعايتها السابقة للاتحاد الإسرائيلي لكرة القدم، ولم تجدد الشركة عقدها مع الاتحاد في 2018.
ومن الجدير بالذكر، أن شركة أديداس ليست هي ألمانيا كلها، أو أنها جزء من الحكومة الألمانية، ولكنها هي إحدى أكبر الكيانات والمؤسسات في ألمانيا واقتصاد ألمانيا. لذا مقاطعتها هي مقاطعة لجزء كبير وفعال لاقتصاد وسياسة ألمانيا؛ التي تتبنى رسميًا موقفًا سياسيًا مؤيدًا لإسرائيل في كل موقف أو أزمة.
لماذا تبدو ألمانيا أحيانًا أكثر تشددًا من دول أوروبية أخرى؟
هناك عدة عوامل متداخلة تشكل رؤية وسياسة الألمان تجاه إسرائيل وأمنها ووجودها، حيث تساهم هذه العوامل والأسباب في الانحياز المطلق للكيان المحتل من قبل الجانب الألماني.
1. الإرث النازي
العامل الأهم والأوضح في انحياز ألمانيا السافر لإسرائيل من بعد الحرب العالمية الثانية. ألمانيا لا تتعامل مع الهولوكوست باعتباره حدثًا تاريخيًا بعيدًا، بل باعتباره جزءًا أساسيًا من مسؤوليتها السياسية والأخلاقية الحديثة، ولهذا تربط الدولة الألمانية بصورة مباشرة بين تاريخها وبين أمن إسرائيل.
2. الخوف من عودة معاداة السامية
بعد تجربة النازية وجرائمها التي لم يسلم منها جيرانها الأوروبيين فضلًا عن اليهود، أصبحت مواجهة معاداة السامية قضية حساسة للغاية داخل المجتمع الألماني، ولهذا فإن بعض النقاشات المتعلقة بإسرائيل تتحول بسرعة إلى نقاش حول الحدود بين انتقاد الحكومة الإسرائيلية وبين معاداة السامية.
المشكلة أن هذا الخط الفاصل ليس دائمًا واضحًا أو متفقًا عليه سياسيًا وقانونيًا، وهو ما يجعل الحديث عن القضية الفلسطينية شديد الحساسية في بلد الألمان. وهنا تأتي الانتقادات التي تقول إن تعريف معاداة السامية بطريقة واسعة قد يؤدي أحيانًا إلى تقييد النقاش المشروع حول السياسات الإسرائيلية. وفي المقابل، يرى الطرف الآخر أن تجاهل الخطاب المعادي لليهود أو التقليل من خطورته يمثل تكرارًا لأخطاء الماضي.
3. الهوية السياسية الألمانية بعد الحرب
ألمانيا الحديثة قامت سياسيًا على فكرة "التغلب على الماضي"، وبالتالي فإن دعم أمن إسرائيل أصبح بالنسبة لقطاعات واسعة من المؤسسة السياسية الألمانية جزءًا من الدرس الذي استخلصته ألمانيا من تاريخها.
ولهذا فإن تغيير هذه السياسة ليس مسألة بسيطة؛ لأنه قد يُنظر إليه داخليًا على أنه تراجع عن أحد أهم الدروس الأخلاقية التي تأسست عليها الجمهورية الألمانية الحديثة.
4. المصالح والعلاقات الاستراتيجية
هناك أيضًا المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، أصبحت العلاقة بين ألمانيا وإسرائيل ليست مجرد علاقة مرتبطة بالهولوكوست، هناك تعاون اقتصادي وعلمي وأمني وعسكري واسع. وتصف وزارة الخارجية الألمانية إسرائيل بأنها من أهم شركائها، وتشير إلى أن ألمانيا هي أكبر شريك اقتصادي لإسرائيل داخل الاتحاد الأوروبي، إذ بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 8.4 مليار دولار في 2024.
إذن الصورة الكاملة ليست ألمانيا تدعم إسرائيل بسبب الشعور بالذنب فقط. بل هي مزيج من التاريخ والمسؤولية الأخلاقية والهوية السياسية الحديثة (ما بعد ألمانيا النازية) والمصالح الاستراتيجية والعلاقات الاقتصادية والأمنية.
لماذا تبدو مقاطعة أديداس مهمة؟
لأنها تكشف شيئًا أكبر من مجرد قرار بشراء حذاء أو عدم شرائه. عندما يقرر شخص مقاطعة شركة ألمانية بسبب موقف يراه متساهلًا مع إسرائيل، فهو يحاول استخدام القوة الاقتصادية للمستهلك للتعبير عن موقف سياسي. لذا يجب أن تكون المقاطعة سلاح ردع للمؤسسة أو الكيان الاقتصادي، حتى تضغط هذه الكيانات على قرارات السياسة الألمانية.
في الحقيقة، ليس كل منتج ألماني مرتبطًا بالحكومة الألمانية، وليس كل شركة ألمانية تتبنى الموقف السياسي للحكومة. ولكنها هي جزء من هذا البلد، وقد يؤثر بشكل مباشر في أحوالها واقتصادها وسياستها المتحيزة الغير أخلاقية.
خلاصة القول، لا يمكن فهم موقف ألمانيا تجاه إسرائيل من دون فهم الهولوكوست. فكل ما يحدث من ردود فعل انحيازية لإسرائيل وما تقوم به من تجاوزات وتعديات من الجانب الألماني، إنما هو نتيجة "عقدة الذنب" التي ورثتها ألمانيا من النظام النازي بعد الحرب العالمية الثانية، حيث حاولت التغلب على الماضي وتحسين صورتها أمام العالم والضحية هي القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني.
فقد تحولت مسؤولية ألمانيا عن جرائم النازية إلى سياسة مصالحة وتعويضات، ثم إلى علاقات دبلوماسية ودعم لوجيستي غير محدود، ثم إلى شراكة استراتيجية ودعم عسكري وتصدير لأحدث الأسلحة، وأخيرًا إلى مبدأ سياسي راسخ يرى أن أمن إسرائيل ووجودها جزء من Staatsräson الألمانية. وفي الوقت نفسه، تغض الطرف عن انتهاك إسرائيل في حق الفلسطينيين من حصار واستيطان وإبادة، مما يوضح سبب الانحياز الألماني لإسرائيل على مدى عقود.
ألمانيا تحاول ألا تنسى الماضي، لكن السؤال الذي يطرحه منتقديها هو هل يمكن أن يصبح الماضي أحيانًا سببًا لعدم رؤية الحاضر بوضوح؟ وهنا تحديدًا تبدأ قصة مقاطعة أديداس، لكنها لا تنتهي عند أديداس. بل تفتح بابًا أكبر لفهم العلاقة المعقدة بين ألمانيا وإسرائيل وفلسطين والذاكرة التاريخية والسياسة الأوروبية.
لو عجبك المحتوى نرجو 👈 المتابعة
